أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

254

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أصل بنفسها ، ليست مخففة من ضم ، حكى مكي عن الأخفش عن عيسى بن عمر : « كلّ اسم ثلاثي أوله مضموم يجوز فيه لغتان : التثقيل والتخفيف » . و « هزوا » بضمتين مع الواو وصلا ووقفا وهي قراءة حفص عن عاصم ، كأنه أبدل الهمزة واوا تخفيفا ، وهو قياس مطّرد في كلّ همزة مفتوحة مضموم ما قبلها نحو جون في جؤن ، و « السفهاء ولا إنّهم » وحكم « كفئا » في قوله تعالى : « ولم يكن له كفئا أحد » حكم « هزوا » في جميع ما تقدم قراءة وتوجيها . و « هزا » بإلقاء حركة الهمزة على الزاي وحذفها وهو أيضا قياس مطرد ، وهزوا بسكون العين مع الواو ، وهزّا بتشديد الزاي من غير همزة ، ويروى عن أبي جعفر ، وتقدّم معنى الهزء أول السورة . قوله : أَعُوذُ بِاللَّهِ تقدّم إعرابه في الاستعاذة ، وهذا جواب لاستفهامهم في المعنى كأنه قال : لا أهزأ مستعيذا باللّه من ذلك فإنّ الهازئ جاهل . وقوله « أن أكون » أي : من أن أكون ، فيجيء فيه الخلاف المعروف و « من الجاهلين » خبرها ، وهو أبلغ من قولك : « أن أكون جاهلا ، فإنّ المعنى : أن أنتظم في سلك قوم اتّصفوا بالجهل . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 68 إلى 69 ] قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ( 68 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ( 69 ) قوله تعالى : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا . . كقوله : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا « 1 » وقد تقدّم . وقوله : « ما هي » ؟ ما استفهامية في محلّ رفع بالابتداء تقديره : أيّ شيء هي ، و « ما » الاستفهامية يطلب بها شرح الاسم تارة نحو : « ما العنقاء ؟ وماهيّة المسمّى أخرى نحو : ما الحركة ؟ وقال السكاكي « 2 » : « يسأل ب « ما » عن الجنس ، تقول : ما عندك ؟ أي : أيّ أجناس الأشياء عندك ، وجوابه : كتاب ونحوه ، أو عن الوصف ، تقول : ما زيد ؟ وجوابه : كريم » وهذا هو المراد في الآية . و « هي » ضمير مرفوع منفصل في محلّ رفع خبرا ل « ما » ، والجملة في محلّ نصب بيبيّن ، لأنه معلّق عن الجملة بعده ، وجاز ذلك لأنّه شبيه بأفعال القلوب . قوله : لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ لا نافية و « فارض » صفة لبقرة ، واعترض ب « لا » بين الصفة والموصوف ، نحو : مررت برجل لا طويل ولا قصير . وأجاز أبو البقاء أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أي : لا هي فارض . وقوله : « ولا بكر » مثل ما تقدّم ، وتكرّرت « لا » لأنها متى وقعت قبل خبر أو نعت أو حال وجب تكريرها ، تقول : زيد لا قائم ولا قاعد ، ومررت به لا ضاحكا ولا باكيا ، ولا يجوز عدم التكرار إلا في ضرورة ، خلافا للمبرد وابن كيسان ، فمن ذلك : 533 - وأنت امرؤ منّا خلقت لغيرنا * حياتك لا نفع وموتك فاجع « 3 »

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 61 ) . ( 2 ) يوسف السكاكيّ أبو يعقوب العلامة كان علامة بارعا في فنون شتى خصوصا المعاني والبيان توفي بخوارزم سنة ست وعشرين وستمائة البغية ( 2 / 364 ) . ( 3 ) البيت للضحاك بن هنام ، وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 358 ) ، الهمع ( 1 / 148 ) ، الأشموني ( 2 / 18 ) ، الدرر ( 1 / 129 ) .